إبراهيمية الخليل عليه السلام تتصدى لفتنة الديانة الإبراهيمية الجديدة المزعومة!!

بقلم: أ.د/ هدى درويش أستاذ الأديان المقارنة – جامعة الزقازيق

تمثل الديانات الإبراهيمية الموضوعات الرئيسة في علم دراسة الأديان المقارن؛ فاليهودية و‌المسيحية و‌الإسلام تجمع أكبر عدد من الأتباع عالميا، فتشير التقديرات إلى أنّ أكثر من 55% من سكان العالم هم من أتباع الديانات الإبراهيمية.. فتشكل المسيحية حوالي 31%، بينما يشكل الإسلام حوالي 24 %، واليهودية حوالي 02, %، تقريبا.

 الجدير بالذكر هو أن الديانات الإبراهيمية الثلاث تؤمن أن لها نسباً مباشراً إلى سيدنا إبراهيم، فيأتي سيدنا إبراهيم في التوراة كجد لبني إسرائيل من خلال ابنه إسحاق. و في المسيحية يُفهم على أنه نسب من الناحية الروحية.. أما الإسلام فيقر أن رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ينحدر من سلالة إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام.

 هذه المقدمة رأيتها ضرورية قبل الحديث عن ما يثار اليوم من جدل حول مصطلح الإبراهيمية.. الديانة الإبراهيمية..  والاتفاق الإبراهيمي ..وما يسمى بالديانة الرابعة.. التي تهدف زوراً إلى مزج الرسالات الثلاث المقدسة اليهودية.. والمسيحية.. والإسلام..في دين واحد جديد مشترك يسمونه ” الإبراهيمية الجديدة ” ..!!

ولقد آثرت عدم الصمت والاضطلاع بالكتابة وتناول الموضوع بالشرح والتوضيح  لعدة أسباب منها أنه يقع في تخصصي الأكاديمي وهو علم دراسة الأديان المقارن..، وكذلك اقتناعا بواجبي ورسالتي التي شرفني الله بها بالعمل الجاد على نشر الفكر الصحيح وترسيخ قيم التسامح والسلام بين أتباع الأديان لأنه من الثابت أن المناقشة الهادئة والتفنيد الجيد وتبادل الآراء العلمية  تمكننا دائما من الوصول إلى أفضل النتائج.

إن البحث عن المشترك بين الديانات السماوية الإبراهيمية وترويجه، وكذلك السعي نحو فتح آفاق من الفهم والتفاهم والتعاون هو مسألة وحاجة إنسانية حتمية  وأرى أنه لا ضير فيها إذا تم وضعها في إطارها السليم المحدد بضوابط صحيحة اتفقت عليها الديانات الثلاث، وأهم هذه الضوابط هو الثوابت الدينية، وهذا هو المحدد الحقيقي لترسيخ أسس  الفهم والتفاهم والحوار الديني والتجديد الفكري والحوار بين الأديان.

لقد شهدت الآونة الأخيرة عدداً من الآراء والأقاويل والترهات غير الصحيحة وغير المنطقية والبعيدة عن قدسية وقداسة الديانات الإبراهيمية .. وتناولت تلك المحاولات مصطلح الإبراهيمية باعتباره ديانة رابعة..! في هجوم فج على مفاهيم الأديان وثوابتها وقدسيتها، هذا في الوقت الذي يوجد فيه بعد شاسع كبعد الثرى من الثريا بين الإبراهيمية  وأؤلئك المرجفين..

لقد أنزل الله الرسالات السماوية الثلاث لتؤكد وتكمل كل منها سابقتها، حتى جاءت رسالة الإسلام السمحة خاتمة لكل الرسالات ومكملة لكل الشرائع وحاضة على الإيمان بمن سبقهوا من الأنبياء والمرسلين والكتب السماوية المنزلة..، ولعله من المفيد التذكير على أن لكل رسالة خصوصيتها الدينية.. ولكل منها نصوصها المقدسة.. وقيمها الإنسانية الواردة في نصوصها الدينية، ونواهيها التي أمرت أتباعها بالبعد عن اقترافها، وطرق عبادتها المأمور بها أتباعها من صلاة وصيام وزكاة وغيرها، ولكل منها أيضا أماكنها المقدسة التي يحج إليها أتباعها..، إلى غير ذلك من الخصوصيات الدينية التي استقلت بها كل ديانة.

وبالرغم من وجود ذلك الاستقلال فإن هذا الأمر لا ينفي وجود كم هائل من المشترك الديني بينها، سواء في عقيدة التوحيد أو التشابه بين العبادات، و القيم الدينية المشتركة، فهذا المشترك يمثل الأرض الخصبة نحو البحث عن سلام العالم والتعايش الآمن. فالديانات السماويّة اليهوديّة، والمسيحيّة، والإسلام تحث جميعا على الاهتمام بالفضائل والأخلاق المشتركة بينها.

إن التقاء الزعامات الدينية في الديانات السماوية حول المشترك هو استلهام صحيح لهداية الأديان ووحدة المصدر من قبل الله الواحد الأحد عز وجل، في مواجهة التطرف المتنامي فيها جميعا، وكذلك سوء فهم الديانات، كما أن تفعيل نقاط الاتفاق يساعد في مواجهة تيارات الإلحاد، كما يعد وسيلة لمواجهة المخاطر الطبيعية والأمراض الوبائية العالمية، وذلك بإحياء قيم التعايش والتعاون والتضامن، وهذا الاتجاه في حد ذاته لا يمكن لأحد أن تسول له نفسه النيل منه أو الانتقاص من قدره أو الوقوف ضده.

أما بخصوص مصطلح الديانة الإبراهيمية المختلق والذي يروج له البعض ويقصد به التوحيد بين الأديان ودمجها في مكان واحد للعبادة، وكتاب واحد يجمع الكتب المقدسة ونصوصها، فإن هذا الكلام لا يمثل دينا بل هو خروج كامل على الأديان والرسالات، وهو انتهاك صارخ لثوابت الديانات وخصوصية كل منها، وفي ذات الوقت هو أمر ترفضه الديانات ويرفضه أتباعها.

فهناك فارق عظيم بين خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام الذي جاء بالحنيفية السمحة وبين مصطلح الإبراهيمية الذي يروجون له حاليا.


موضوعات متعلقة..


أبرز التعلقيات على المقال:

  • الاستاذ الدكتور/حسن القصبى أستاذ الحديث وعلومه ووكيل كلية الدراسات الإسلامية  والعربية بجامعة الأزهر :

    • بسم الله ما شاء الله سعادة الدكتورة فهم ثاقب وفكر رائع حفظك الله.
  • الأستاذ الدكتور/ محمد صلاح عبده بهدر، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الازهر:

    • الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعدفقد شفيت صدورنا وحققت رجاءنا بهذا الطرح العميق بهذا الأسلوب الدقيق لقضية شائكة اختلطت فيها السياسة بالدين وحاولت السياسة فرض هيمنتها على الدين وأرادت سحب الدين إلى مستنقعها الآسن .

      وقد أحسنت صنعا أحسن الله إليكِ بهذا المقال الهادف الذي حققت من خلاله عدة أهداف ومنها استنباطا مما بين السطور :

      * أولا: إيضاح التفرقة بين مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام وموقعه كأب للأنبياء عليهم السلام وملته الحنيفية السمحاء وبين الإبراهيمية المزعومة بأهدافها المريبة .

      * ثانيا: أضرار الإبراهيمية المزعومة أكثر من منافعها على فرض وجودها لأن المراد من خلال الترويج لهذا المصطلح المشبوه تذويب الأديان في إطار واحد يصب في صالح اليهود كبشر وليس لصالح اليهودية كملة وهو ما نذكره في ثالثا .

      * ثالثا: الانحياز لليهودية كغطاء خارجي للصهيونية ؛ لأن هؤلاء الناس بلغوا المنتهى في المكر والدهاء بل والذكاء فالترويج للصهيونية لن ينطلي على الشعوب العربية والإسلامية ولن ينجح ومن هنا جاء الترويج لها عن طريق اليهودية من خلال الإطار الجامع في الفكرة المحورية حول الإبراهيمية .

      * رابعا: أبرأت ذمتك بهذه الشهادة التاريخية بل بيضت صفحة القسم الذي يشرف برئاستك له فقد كان بعض المتابعين لنشاطه يخشون من انحياز القسم لهذه الفكرة وهو بريء تماما منها بل يتبرأ ممن يروجون لها .شكرا جزيلا تقبل الله جهدك وجعله في ميزان حسناتك .

  • الاستاذ الدكتور/ ماهر خضير، قاضي المحكمة العليا الشرعية، فلسطين:

    • ماشاء الله ..اطلعت على المقال اكثر من رائع
  • الاستاذ الدكتور/ سامى عبد العال، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة الزقازيق:

    • بهذا المقال الرائع والمبدع … لقد ابرزت القول الفصل في حقيقة الابراهيمية التي انتشرت مؤخرا ….دام قلكم استاذتي الفاضلة …اطيب تحياتي
  • الاستاذ الدكتور/ سعيد أبو على:

    • هذا هو القول الفصل..او فصل الخطاب..بوركت استاذتنا الجليلة
  • الاستاذ الدكتور/خالد على:

    • إبراهيمية الخليل براء من الإبراهيمية الجديدة المزعومة.
  • الاستاذ الدكتور/عبد اللطيف أبو بكر أستاذ ورئيس قسم المناهج والأديان جامعة قناة السويس

    • مقال اكثر من رائع  يجسد مسؤولية العالم في ارقى تحلياتها  ، في مقابل فوضى من  الاطروحات كثير منها ظاهر مموه لباطن مشوه ، يتجاوز الثوابت ، ويقتحم الحدود ،  ويميع فكرة الدين – اي دين  – في نفوس اصحابه. دمت حجابا حاجزا ، وحجر عثرة  ، وعقبة كؤود في وجه هؤلاء.
  • الإعلامي الأستاذ/ نبيل نجم الدين، الكاتب المتخصص فى العلاقات الدولية:

    • لم أكن أبالغ حين وصفت الدكتورة هدى درويش بنوارة الفكر العربي، مقال مهم منير لجوانب خافية من دعاوى الفتنة الدولية والإقليمية، سلمت يداك نوارة الفكر العربي.
  • الاستاذ الدكتور/ جمال الدين:

    • بعد إذنك سأرسل هذا المقال للعلماء في السودان لأن وزير الشؤون الدينية الجاهل عندنا أقام مثل هذا المؤتمر ووجد استنكارا كبيرا من قبل العلماء بمثل ما تفضلت به.
  • الدكتور/ صلاح الجعفراوي، مدير مؤسسة الاسيسكو:

    • ربنا يبارك فيك دكتورتنا العظيمة . سدد الله خطاك للذود عن ديننا الحنيف
  • الدكتورة/ مليكة ، دولة المغرب:

    • قرأت مقالة الديانات الإبراهيمية والتنوير ، فحقيقة أحييك على شجاعتك وجرأة قلمك في قول الحقيق والخروج من سرب المطبلين  ” للدين الجديد” (على قول عادل إمام ههه)، والمسمى الديانات الابراهيمية. أتمنى لك المزيد من الابداع والثبات على الحق ، وأتمنى من كل قلبي أن أراك مرة أخرى سواء في بلدنا أو في مصر ، مع تحياتي، على فكرة فقد ذكرتك في أطروحتي ضمن المصادر البيبيليوغرافية المعتمدة، وأجدد شكري لك عن الكتاب الذي أهديتني إياه عن موسى بن ميمون.
  • الشيخ جيلانى:

    • مقالة الحقيقية والحقيقة، هذا الذي يرغب الغرب الباطل ولكن ارادة الله فوق كل شيء، ونشكرك يا دكتورة المفكرة على هذا البحث العلمي
  • اللواء محمد كمال:

    • هكذا أقلام الفرسان بدوام التوفيق والنجاح
  • المستشار الاعلامى محمد ثروت، باحث دكتوراة:

    • مقال الابراهيمية تصدر جوجل كافضل مقال علمي عن الظاهرة تحليلا موضوعيا غير منحاز تحية لجهودك معالي الوزيرة في نشر الفكر السديد والوسطية.
  • عمرو يسين، باحث دكتوراة:

    • كالعادة  الرصانه فى العبارة والجرأة فى الرد العلمى المتزن المتميز بالصقل الأكاديمي.د.هدى درويش. أن عملية المزج بين تعاليم الأديان لجعلها دين واحد يسع الجميع ليست جديدة فقد حاول غورو نانانك ليخرج لنا بالسيخيه فى شمال الهند. لكن الأخطر هذه المره هو المصطلح الذى تجتمع عليه الديانات السماوية وينتسبون إليه نسلا أو روحا. كان من الأجدر كما اشرتى سيادتكم البحث عن المشترك الذى تتفق الأديان عليه والعمل على بث القيم الروحية والأخلاقية فى المجتمعات باحثين عن الإنسانية قبل التدين.فالإنسان هو الأصل. سيدتى دمتى لنا فخراً فأنت أسد هصور على ثغر البحث الأكاديمي فى بحوث الديانات.
  • ميادة ثروت، باحثة دكتوراة:

    • بارك الله فى حضرتك أستاذتي  بجد مقال أكثر من رائع ، ربنا يعلي شأنك ويرفع قدرك يارب
  • فارس الدين محمد، باحث دكتوراة:

    • أنت أيها العربي المسلم وأنت أيها المصري الكريم، إذا أردت أن يتعلق قلبك بالخالق العظيم، وتصبح إنسان صاحب شوق حارق وحنين جارف يفيض محبة وسماحة وعلما نافعا وفكرا منيرا، عليك أن تطالع تقرأ وتفهم السيرة الذاتية والترجمة الفعلية لانسانة بمعنى الكلمة عالمة حق العلم، مفكرة إلى حد الإبداع والتميز الاستاذه الدكتورة هدى درويش ، لأنك سوف تصل إلى حد المعانى الروحية التى ينتعش لها القلب وتطرب لها الروح، سيرة سيادتها تغرينا بخوض غمار التجربة الروحية والغوص في اسرار العبادة وتذوق جماليتها، لعلنا نصيب من نفحات عظمتها دكتورة هدى ما يجعلنا نسعد ونحيا حياة أهل النعيم فى الحال والمآل.
  • محمد خلف، باحث ماجستير:

    • دون أدنى مبالغة فإن هذا الموضوع الشائك الدقيق لا يجرؤ على خوض غماره إلا قامة عالية تمتلك الأدوات القيمة لتحديد المفاهيم وتقديم الخلاصة البناءة كما تمتلك الفهم المحيط بكل أبعاده على كافة الأصعدة إضافة إلى إخلاص كامل وحرص عجيب على تقديم النفع ووأد الفتن في مهدها. حفظ الله أستاذتنا الدكتورة هدى وأدام لنا النفع بعلمها وبرسالتها الجمعية النافعة للبشرية من كل الأطياف والألوان والأديان.
  • محمد هلهل، باحث ماجستير:

    • مقال أكثر من رائع ومناقشة هادفة لدحض ما يقال عن الديانة الرابعة والتي لا أساس لها ولا هدف إلا إذابة الأديان في قلوب اتباعها فإذا ذابت ضاعت معالمها وأصبحت السيطرة علي أصحابها أسهل لتنفيذ ما يطلب منهم.
  • هاجر، باحثة ماجستير:

    • هذا مقال رائع جدا واستفدت منه الكثير لأن حضرتك حريصه جداً على نشر الفكر الصحيح وترسيخ قيم التسامح والسلام بين الأديان والتعايش الآمن والإهتمام بالفضائل والأخلاق المشتركه بينهما. بارك الله لنا فى حضرتك حضرتك أستاذتنا وأستاذة قسم مقارنة الأديان.

 

3 Comments

  1. محمد السيد الأزهري، باحث ماجستير

    جزاكم الله كل خير سعادة الدكتورة على ما قدمتم من جهد فكري ثاقب يمثل فصل الخطاب وقطع النزاع والجدال حول هذه القضية التي شغلت الكثير من العلماء والمفكرين، جعله الله في ميزان حسناتكم لما تقومون به من الرد على هذه الشبهات التي يثيرها الجاهلون والمفككون فكريا.

    Reply
  2. عبدالعزيز احمد - باحث سياسي

    السلام عليكم، تحية الديانات السماوية جميعا
    اقترح على حضرتك أ.د/ هدى درويش ، فتح المجال للنقاش حول هذا الموضوع المهم، والذي يشغل جدل واسع هذه الايام من كافة التخصصات السياسية والدينية والعلمية حتى نصل الى خلاصة حقيقية نلخص بها هذا الموضوع.
    مع خالص الشكر

    Reply
    1. محمد السيد الازهري - باحث ماجستير

      أحيك استاذ عبدالعزيز على اقتراحك وهي فكرة جيدة لمزيد من نشر الفهم الصحيح خاصة وانه يتعلق بأبي الأنبياء سيدنا ابراهيم الخليل

      Reply

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.